السبت 23 يونيو 2018 - العدد : 4179 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
5836872
إعلانات تهمك


المبدع ياسين عدنان يستحضر أسفي :

  

 لا منارة . لا وعود. لا مشاريع. والناس تآلفوا مع التردّي واستأنسوا به..

  

اليوم الأربعاء. السوق الأسبوعي عامر بسيدي امحمد التيجي. أذكر زياراتي أيام الطفولة لأحد الدواوير هناك. الكراول في كل مكان. أتذكر كرويلة ولد شتيوة التي كنا نركض بها في قيظ آب اللهاب وقت الظهيرة. والبغل المسكين يجارينا مُكْرها في لهونا ويلعننا في السر بلغة البغال. من سيدي امحمد التيجي الى الثلاثاء بوكدرة كان تاكسي أزرق كبير يسابق الريح. حينما توقف لينزل الزبناء في بوكدرة، فاجأني المشهد المريع. خمسة ركاب نزلوا تباعا من الخلف. راكبان من المقعد المجاور للسائق. ثم انسحب من مقعد السائق راكب كان منكمشا في حضنه. 8 ركاب وسائق. ما هذا الجنون. لم يكن هناك درك في مدخل بوكدرة، لذلك استغل السائق الفرصة ليعربد في الطريق العام.  

 صباح الخير آسفي. بالأمس فقط كنت أحكي مع الصديق إدريس الروخ عن سلسلته الرمضانية “الخاوة”. قال لي إدريس بأن آسفي وفرت له فرصة مذهلة لتثمين جزء هام من رأسمالنا اللامادي: العيطة والخزف. تحدثنا عن العيوط وعن ارتباطها بنضال القبائل ضد جور القياد، وفكرتُ في الراحل بوحميد.

  عمت صباحا حاضرة عبدة. كلما دخلت آسفي وجدتُني أطوفها كاملة كأنما لأطمئن على أن المدينة ما زالت على حالها. أو ربما لأحزن أكثر، لأحرّض الحزن داخلي، وأنا أرى المدينة تنهار. انهار جزءٌ من قصر البحر، أمّا الكورنيش

المجاور له فقد صار أشبه ما يكون بمزبلة. تراب الصيني يشبه إلى حدّ كبير حيّا مقصوفا من تلك الأحياء في الشام والعراق التي تصلنا صور دمارها عبر نشرات الأخبار. منازل تراب الصيني مهدمة كأنها تعرضت لوابل من القنابل. سقتُ سيارتي باتجاه الصويرية، هنا كانت الفابريكات. أكثر من 60 معملا لتصبير السمك لم يبق منها سوى خمسة. “ماروك شيمي” قتلها تباعا؛ وليس ثمة من برنامج لجبر الضرر.

 

 الجو اليوم لطيف في آسفي. لا حرّ هناك. قلت: لأتّجه صوب سيدي بوزيد. هناك سأصادف ما يسر ويبهج. لكن في آسفي، عليك أن تكون على استعداد دائم لاسقبال الصدمات. كل أنواع الصدمات. رأس الأفعى مقطوع. ياللهول. الطريق البديع ذو المنعرجات الرهيبة الذي ننزلق معه من ربوة الولي الصالح سيدي بوزيد باتجاه البحر مغلق. مقصوف هو الآخر. الأفعى ممدّدة بلا رأس. بجسم هامد متفسخ كأنه تعرض لهجوم ضارٍ من فأس موتورة أثخنته جراحا. والبحر أزرق وبعيد، يتطلع إلينا من أسفل محرجا: لماذا لا يعرف أهل البر كيف يدبرون أحوالهم؟ الموج يصطخب في ضيق. حيلة الموج ضعيفة، فيما لسان حاله يردّد: ما بال المدينة هكذا؟ كأنها لم تعد مدينة. كأنها لم تكن مدينة.

 

 لا منارة هنا في آسفي. لا وعود. لا مشاريع. لا برامج. والناس كأنهم تآلفوا مع التردّي واستأنسوا به. هنا في مدينة الأسف الكبير.

 

 تبًّا، ما لهذا جئت. لأيمّمْ شطرَ الميناء. فالحياة كانت دائما هناك نشيطة ومفعمة بالصخب الجميل. الصيد وفير هذه العشية. والسمك رخيص. أنا عاشق لسردين آسفي. عليّ بالسردين إذن. السردين بدرهمين. درهمان فقط للكيلوغرام الواحد. سألتُ شخصا أمامه سلة مليئة بالسرديل بكم. لو طلب خمسين درهما لوجدت طلبه معقولا، لكنه لم يطلب أكثر من 15 درهما. ما كدتُ أقرفص أمام البائع لأقلّب السردين الفضي المتلالئ وسط الثلج والملح حتى فوجئت بقارب صيد يحلق فوق رأسي. قفزت فزعا (متى صارت سماء الميناء تمطر قوارب في آسفي؟) كان الأمر يتعلق برافعة تنقل قاربا من الميناء باتجاه أقصى الرصيف. لكن السائق المتهور لم يجد غضاضة في التنقل بقاربه المعلق وسط السوق. اشتريت السلة وعدت إلى بيت العائلة في الجريفات. قلت لهم ليكن فطورنا ملكيا. وأنا الآن أنتظر طاوة السردين. أطيب سردين في الكون. وأرخص سردين في الدنيا. سردين آسفي.

 

 في العاشرة مساء لديّ لقاء مع الصديق عبد الحق ميفراني والإخوة في المقهى الأدبي. سيكون لقاءً عن “هوت ماروك”. لكن حتى آسفي “هوت” أيها الأصدقاء. رغم جوها المعتدل تبقى المدينة هوت. فيري هوت. وأخشى ألا ننتبه إلى ما يضطرم في دواخل هذه المدينة إلا بعد فوات الأوان.

  على أيٍّ، لنعد الى طاوة السردين فهي تحتاج بعض العناية قبل أن ندخلها بيت النار،.