الأربعاء 28 يونيو 2017 - العدد : 3819 لوحة المفاتيح العربية






مرحبا بكم ! أنتم الزائر رقم
5223418
إعلانات تهمك


تحية إلى ذكرى الفقيد ج. احمد المدراوي

   د. المحجوب حبيبي

   

أيها الموت الرهيب، الذي تولدت عنك الكثير من  أفكارنا ومن تصوراتنا، وتأملاتنا للكون، من خواطرنا، ومن أوهامنا وخوفنا الرهيب... كيف كنت دائما تقاوم الوجود وتقاوم العشرة والعلاقة وتقاوم حتى الاختلاف ؟؟ أليست الكثير من معاناتنا كانت بسببك؟ وكنت ومازلت ترفع منجلك المعقوف الرهيب في وجوهنا، وكنا ومازلنا نحاول أن نتحداك بكل ما أوتينا من حيل ومن أدوات المقاومة، ومهما استغفلناك وطردناك عنا، تعود في لحظات تختارها عندما يلم بنا الوهن، أو يتسرب إلى تماسكنا التهلهل أو السقم، وهذا ما فعلته بأهلنا وإخوتنا وبأحبابنا وأصدقائنا... وأنتقي في هذه المناسبة الذكرى أخا عزيزا وصديقا حميما، لم يكن معه للاختلاف الفكري والإيديولوجي أن يفسد ما كان بيننا من احترام وتقدير، وعلو وشموخ إنساني، اخترت الأخ المرحوم الحاج أحمد المدراوي الذي تميزت علاقتي به بعميق الصداقة وكبير الاحترام، لم نكن نداهن ولا نراوغ في تبادل الآراء مهما اختلفت، وتبيان وجوه الاختلاف وأحيانا النقد القاسي والرفض الذي لا يخلو من ممناعة... وكان يقابل الأمور بصدر رحب قائلا إن (الموقف والحقيقة اختيار صعب وأن تبنيه أو التعبير عنه سمة الأوفياء وموطن الشجعان...) ومع ذلك ومهما يشتد العتاب، ما كان ليتراجع عندما يدعوه داعي الواجب مساهما ومشاركا حتى وإن كان في الأمر ما يخالف التزاماته... كان هذا ديدانه منذ السنوات الأولى التي تعرفت عليه فيها وكان عضوا بالنقابة الوطنية للتعليم في أواسط الستينيات إن لم أقل انه ممن شاركوا في تأسيس فرع آسفي مع ذلك الرعيل من المناضلين الذين منهم الكثير ممن قضى نحبه وأذكر منهم (الشناف والولادي والفارحي...) وكان في نفس الوقت لاعبا لكرة القدم متألقا قوي التسديد حتى تمت تكنيته ب - ( المدفعجي   le canonier حسب اللقب الذي منحه للمرحوم الفرنسي daniel pelard الذي كان يكتب عمودا يوميا بجريدة   la vigie   في فترة الستينيات) - كان ذلك مع فريق إتحاد آسفي وكان مهووسا بما ينبغي أن يحققه الفريق من نجاحات... وفي نفس الآن  كان عضوا نشيطا نقابيا رغم الظروف التي كان تعرفها أي ممارسة نضالية سواء أكانت نقابية أوسياسية... وما أذكره له أنه كان بطبعك متمردا على القوالب التقليدية... فلا يمانع أن يشارك في مناقشة أي موضوع من المواضيع الحامية، التي كان نقاشها يدخل في أدبيات تلك المرحلة، والتي كانت تعتبر من الطابوهات، حيث ممنوعات الحكم وحواجزه وأحكام وتقاليد الأسرة وممانعتها أقصد (الأعمام) والأقربين والعشيرة... والتي كانت تطوقه بأحكام التقاليد والأعراف ... ولم يكن ينفلت منها إلا عندما يجد فسحته حيث يكون بين الرفاق والأصدقاء... وكان مفتونا بالفضاءات الخاصة التي يغلب فيها النقاش الفكري والسياسي...أو بين أصدقاء والمرح والدعة لأنه كان من محبي الحياة والفرح والدعابة والمتعة...

 

وها قد غيبك الموت عنا وعن أهلك ومحبيك بعد أن قاومته بعناد... ولكنك وفي السنوات الأخيرة أجبرتك الأوضاع  الصحية لشروطها فالتزمت العزلة بالبيت، متحملا معاناتها، إلى جانب رفيقة عمرك التي كانت تخفف عنك بعضا مما تعانيه من تلك المعاناة، وأنت المتيم بالعلاقات والجلسات الطويلة، إلى أن وافاك الأجل المحتوم دفعة واحدة، فتحية لروحك وتحية لذكراك الخالدة في قلوب أهلك ودويك وأصدقائك...

  آسفي في 3 يونيه 2017